ابن الأثير
180
أسد الغابة ( دار الفكر )
لما خرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من مكة إلى المدينة مهاجرا ، جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن ردّه عليهم ، وذكر حديث طلبه ، وما أصاب فرسه ، وأنه سقط ، عنه ثلاث مرات ، قال : فلما رأيت ذلك علمت أنه ظاهر ، فناديت : أنا سراقة بن مالك بن جعشم ، أنظروني أكلمكم ، فو اللَّه لا أريبكم ولا يأتيكم منى شيء تكرهونه ، فقال رسول اللَّه لأبى بكر : قل له : ما تبتغي منا ؟ فقال لي أبو بكر ، فقلت : تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك ، فكتب لي كتابا في عظم ، أو في رقعة أو خزفة ، ثم ألقاه ، فأخذته ، فجعلته في كنانتي ، ثم رجعت فلم أذكر شيئا مما كان ، حتى إذا فتح اللَّه على رسوله مكة ، وفرغ من حنين والطائف ، خرجت ، ومعي الكتاب لألقاه ، فلقيته بالجعرّانة ، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار ، فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون : إليك إليك ، ما ذا تريد ؟ حتى دنوت من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وهو على ناقته ، واللَّه لكأنّي انظر إلى ساقه ، في غرزة [ ( 1 ) ] كأنه جمّارة ، فرفعت يدي بالكتاب ، ثم قلت : يا رسول اللَّه ، هذا كتابك لي ، وأنا سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال رسول اللَّه : هذا يوم وفاء وبر ، أدنه ، فدنوت منه ، فأسلمت . وذكر حديث سؤاله عن ضالّة الإبل . وروى ابن عيينة ، عن أبي موسى ، عن الحسن أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال لسراقة بن مالك : كيف بك إذا لبست سواري كسرى ومنطقته وتاجه ؟ قال : فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته [ ( 2 ) ] وتاجه ، دعا سراقة بن مالك وألبسه إياهما وكان سراقة رجلا أزبّ [ ( 3 ) ] كثير شعر الساعدين ، وقال له : ارفع يديك ، وقل : اللَّه أكبر ، الحمد للَّه الّذي سلبهما كسرى بن هرمز ، الّذي كان يقول : أنا رب الناس ، وألبسهما سراقة رجلا أعرابيا ، من بنى مدلج ، ورفع عمر صوته . وكان سراقة شاعرا ، وهو القائل لأبى جهل : أبا حكم واللَّه لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمّدا * رسول ببرهان فمن ذا يقاومه عليك بكفّ القوم عنه فإنني * أرى أمره يوما ستبدو معالمه بأمر يودّ الناس فيه بأسرهم * بأنّ جميع الناس طرّا يسالمه
--> [ ( 1 ) ] الغرز : ركاب رحل الجمل ، والجمارة : قلب النخلة ، شبه ساقه ببياضها . [ ( 2 ) ] المنطقة : كل ما شد به الوسط . [ ( 3 ) ] الأزب : الكثير الشعر .